السيد الطباطبائي

86

تفسير الميزان

إلى باب النجاشي فقالوا : استأذن لأولياء الله فقال : ائذن لهم فمرحبا بأولياء الله فلما دخلوا عليه سلموا ، فقال الرهط من المشركين : ألم تر أيها الملك أنا صدقناك ، وأنهم لم يحييوك بتحيتك التي تحيا بها ؟ فقال لهم : ما يمنعكم أن تحيوني بتحيتي ؟ قالوا : إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة . فقال لهم : ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه ؟ قالوا : يقول : عبد الله ورسوله وكلمة من الله وروح منه ألقاها إلى مريم ، ويقول في مريم : إنها العذراء الطيبة البتول ، قال : فأخذ عودا من الأرض فقال : ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم هذا العود ، فكره المشركون قوله وتغير له وجوههم . فقال : هل تقرؤون شيئا مما انزل عليكم ؟ قالوا : نعم ، قال : فاقرؤوا ، فقرؤوا - وحوله القسيسون والرهبان وسائر النصارى - فجعلت طائفة من القسيسين والرهبان كلما قرأوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق قال الله : " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق " . أقول : وروى القمي في تفسيره القصة مفصلة في خبر طويل ، وفي آخره : ورجعوا إلى النجاشي فأخبروه خبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقرأوا عليه ما قرأ عليهم فبكى النجاشي وبكى القسيسون ، وأسلم النجاشي ولم يظهر للحبشة إسلامه ، وخافهم على نفسه فخرج من بلاد الحبشة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما عبر البحر توفى ، الحديث . ( كلام في معنى التوحيد في القرآن ) لا يرتاب الباحث المتعمق في المعارف الكلية أن مسألة التوحيد من أبعدها غورا ، وأصعبها تصور وإدراكا ، وأعضلها حلا لارتفاع كعبها عن المسائل العامة العامية التي تتناولها الافهام ، والقضايا المتداولة التي تألفها النفوس ، وتعرفها القلوب . وما هذا شأنه تختلف العقول في إدراكه والتصديق به للتنوع الفكري الذي فطر عليه الانسان من اختلاف أفراده من جهة البنية الجسمية وأداء ذلك إلى اختلاف أعضاء الادراك في أعمالها ، ثم تأثير ذلك الفهم والتعقل من حيث الحدة والبلادة ،